ابن كثير

337

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

الأدعياء ، فأمر تبارك وتعالى برد نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة ، وأن هذا هو العدل والقسط والبر . قال البخاري رحمه اللّه : حدثنا معلى بن أسد ، حدثنا عبد العزيز بن المختار عن موسى بن عقبة قال : حدثني سالم عن عبد اللّه بن عمر قال : إن زيد بن حارثة رضي اللّه عنه مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ما كنا ندعوه إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ « 1 » وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن موسى بن عقبة به . وقد كانوا يعاملونهم معاملة الأبناء من كل وجه في الخلوة بالمحارم وغير ذلك ، ولهذا قالت سهلة بنت سهيل امرأة أبي حذيفة رضي اللّه عنهما : يا رسول اللّه إنا كنا ندعو سالما ابنا ، وإن اللّه قد أنزل ما أنزل ، وإنه كان يدخل علي وإني أجد في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا ، فقال صلى اللّه عليه وسلم « أرضعيه تحرمي عليه » « 2 » الحديث . ولهذا لما نسخ هذا الحكم أباح تبارك وتعالى زوجة الدعي ، وتزوج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بزينب بنت جحش مطلقة زيد بن حارثة رضي اللّه عنه ، وقال عز وجل لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً [ الأحزاب : 37 ] وقال تبارك وتعالى في آية التحريم وَحَلائِلُ أَبْنائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [ النساء : 23 ] احترازا عن زوجة الدعي فإنه ليس من الصلب ، فأما الابن من الرضاعة فمنزل منزلة ابن الصلب شرعا بقوله صلى اللّه عليه وسلم في الصحيحين « حرّموا من الرضاعة ما يحرم من النسب » « 3 » . فأما دعوة الغير ابنا على سبيل التكريم والتحبيب ، فليس مما نهى عنه في هذه الآية بدليل ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن إلا الترمذي ، من حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن الحسن العرني عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : قدّمنا على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات لنا من جمع ، فجعل يلطخ أفخاذنا ويقول « أبينيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس » « 4 » قال أبو عبيدة وغيره : أبينيّ تصغير بني وهذا ظاهر الدلالة ، فإن هذا كان في حجة الوداع سنة عشر . وقوله ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ في شأن زيد بن حارثة رضي اللّه عنه ، وقد قتل في يوم مؤتة سنة

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 33 ، باب 2 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 62 ، والترمذي في تفسير سورة 33 ، باب 9 . ( 2 ) أخرجه مسلم في الرضاع حديث 26 ، 28 ، 30 ، وأبو داود في النكاح باب 9 ، والنسائي في النكاح باب 9 ، والنسائي في النكاح باب 53 ، وأحمد في المسند 6 / 174 ، 228 ، 249 ، 269 . ( 3 ) أخرجه البخاري في تفسير سورة 33 ، باب 9 ، ومسلم في الرضاع حديث 5 . ( 4 ) أخرجه أبو داود في المناسك باب 65 ، والنسائي في المناسك باب 222 ، وابن ماجة في المناسك باب 62 ، وأحمد في المسند 1 / 234 ، 343 .